لم تكن قطرات الدم التي انسابت في ذلك اليوم عادية، رافقها ألم شديد في الجسد وفي القلب، فهي ليست دورة شهرية عادية، وإنما جنينٌ بدأ لتوه في التكونّ، لكنها قررت بحسرة شديدة أن تتخلص منه حتى لا تفقد عملها، فقد عادت مؤخراً من إجازة أمومة ولن يتقبل ربّ عملها أن يمنحها ذات الإجازة في أقل من عام، بسهولة يمكنه طردها واستبدالها بأخرى، وستعود هي للبحث عن عمل يعيل أسرتها التي تُعد من الأسر محدودة الدخل، بالكاد يكفيهم المال للصمود حتى نهاية كل شهر.

 

المفارقة أن العالم يتجه نحو التحدث عن إجازة الأبوة، وبعض المؤسسات والمنظمات المحلية والدولية في فلسطين قد أقرتها فعلاً، بينما لا زالت كثير من المؤسسات تقايض العاملات فيها حول إجازة الأمومة، وساعة الرضاعة، في المؤسسات الخاصة تحديداً، وكأن دورها البيولوجي في الإنجاب والرضاعة، خطيئة تستحق عليها العقاب!، تضطر النساء العاملات للتنازل بالخفاء، لضمان الاستمرار في وظائفهن، فالبديلات موجودات دائماً في ظل التنافس الشديد على الوظائف بسبب ارتفاع معدلات البطالة وقلة فرص العمل، حيث تصل معدلات البطالة بين النساء الفلسطينيات الحاصلات على 13 سنة دراسية فأكثر إلى 50.6% من مجموع هذه الفئة من النساء.

 

لا تواجه العاملات تحديات داخل بيئة العمل وحدها، حيث يبذلن قصارى جهدهن لإثبات قدراتهن واستحقاقهن لهذه الوظائف، بينما يستغل مدراء المؤسسات هذه الرغبة في تحميلهن مزيداً من المهام لإنجازها على ذات الراتب، بل يواجهن تحديات مجتمعية، في أن يكن أمهات أو زوجات عاملات يحافظن على التوازن بين البيت والعمل، وتحديات في استقلال الذمة المالية فكثيرات لا يتمتعن بهذا المال ويُنفق على عائلاتهن رغماً عنهن، تضطر كثيرات لعمل توكيل لأزواجهن أو أباءهن أو إخوتهن من الذكور ليحصل على الراتب بدلاً منها، ومن ترفض تهدد بالحرمان من العمل، إحداهن قالت لي: " أعمل منذ سنوات، صدقيني إن قلت أني لم أشتري قميصاً جديداً منذ عامين على الأقل،  يأخذ زوجي المال وهو لا يكف عن تبذيره على أمور تافهة تخصه، بينما لا يمنحني منه شيئاً، أشعر بالقهر الشديد وكل بداية شهر نتعارك على ذات المسألة".

 

إن الفجوة الكبيرة في نسبة المشاركة في قوة العمل والأجرة اليومية بين النساء والرجال، تعطي مؤشراً على أهمية التمكين الاقتصادي للنساء، فقد بلغت نسبة مشاركة الإناث في فلسطين في القوى العاملة 19.3% من مجمل الإناث في سن العمل، فيما بلغت نسبة مشاركة الذكور 71.6% للعام 2016، مع وجود فجوة في معدلات الأجرة اليومية بين الإناث والذكور، فالإحصاء الفلسطيني تحدث عشية يوم المرأة العالمي 2017، عن معدل الأجر اليومي للإناث (22.5 $)، مقابل (30.8 $) للذكور، رغم تحفظي على هذا الرقم لأن الواقع أقل بكثير.

يُضاف إلى التحديات السابقة، أن أماكن العمل ترى في النساء موظفات من الدرجة الأقل، بصعوبة يصلن إلى المناصب الإدارية العليا وأماكن اتخاد القرار في مؤسساتهن، فالبيانات في فلسطين تشير إلى أن42.6% من الموظفين في القطاع العام المدني إناث مقابل 57.4% ذكور، حيث تشكل الاناث (في القطاع المدني) حوالي 11.7% من درجة مدير عام فأعلى من مجموع المدراء العاميين، مقابل 88.3% من الذكور لنفس الدرجة.

 

في بلادي، لا زال أمام النساء معركة طويلة من النضال للحصول على حقوقهن الاقتصادية وتحقيق الاستقلال المالي المنشود، هذا العام 2017، رفعت هيئة الأمم المتحدة للمرأة UN WOMEN، شعار "المرأة في عالم العمل المتغير: تناصف الكوكب ( 50/50 ) بحلول عام 2030"، أتطلع لأن يصبح الأمر حقيقة في فلسطين التي تواجه نساءها تحديات كبيرة للوصول إلى فرص عمل لائقة وأجور متساوية، فنساء بلادي قويات مثابرات ويكافحن بشراسة لانتزاع حقوقهن، إن التمكين الاقتصادي أداة مهمة لتحقيق العدالة لهن، وإعطاءهن الفرصة لإظهار قدراتهن وإبداعاتهن في فرص عمل حقيقية لائقة.

 

 

Noor Swirkiنور السويركي صحفية  فلسطينية تبلغ من العمر 28 عاماً، حاصلة على درجة الماجستير والبكالوريوس في الصحافة، أم لطفلين، عملت إلى جانب الصحافة كباحثة وموظفة إعلام في مؤسسات المجتمع المدني، وناشطة مجتمعية ونسوية، تطالب بحقوق مختلف الفئات وبخاصة حقوق المرأة والشباب، تعيش في قطاع غزة، فائزة بالمركز الأول للقصة الصحفية في مسابقة بيت الصحافة  في غزة حول حرية الرأي والتعبير، تؤمن بقوة الكلمة على الدفع نحو التغيير والأهم قوة الشباب في إحداث هذا التغيير، تسعى لأن تكون مواطنة عالمية صالحة وأن تتطور في مسيرتها وتحقق النجاح المهني الذي تطمح إليه. نور عضوة في مشروع شبكات الشباب المتوسطي.

إقرأ كذلك

المرأة فراشة ولكن ليس بأجنحتها فقط

كم يروق لي أن أشبه كل طفلة وكل فتاة وكل امرأة بالفراشة الملونة الجميلة التي تحلق في كل مكان لتضفي على الأجواء بهجة و
سعادة بإطلالتها الساحرة ولمساتها الجميلة في كل مراحل عمرها
ولكن ليت كل الناس يقدرون هذا الجمال بقدر ما يقدرون أدوارها في هذه الحياة وفاعليتها التي لا يمكن الاستغناء عنها
إن المرأة الفراشة أنواع مختلفة باختلاف بيئتها وميولاتها وشخصيتها وظروف نشأتها
غير أن جل الفراشات تحب أن ترفل وتحلق
تطمح وتحلم ....
تحب أن تعلو وتسمو.....
تحب الاهتمام بقدر ما تحب التقدير والإكبار
ولكن للأسف تحيط بالمرأة الفراشة أياد غاصبة كثيرة تخنقها

على الميدان

الشباب و الإعلام

YOUTHMEDIA#

أنشطة لبناء المهارات وسط المنظمات الشبابية وضمن الصحفيين الشباب؛ تقوية تمثيلية الشباب في وسائل الإعلام وتعزيز حرية التعبير وثقافة الإعلام والمعلومات ومحتوى الإعلام الذي ينجزه الشباب.

الشباب و التشغيل

YOUTHEMPLOYMENT#

أنشطة تجْمَع المنظمات الشبابيةَ وخبراء التشغيل ومختلف الفاعلين الوطنيين للانخراط في الحوار والعمل معاً للبحث عن حلول للتشغيل والاحتياجات على مستوى القدرات.

السياسات المتعلقة بالشباب

YOUTHPOLICIES#

أنشطة تمكّن الشباب من المشاركة في التنمية الجماعية والوطنية ومراجعة ووضع الاستراتيجيات والسياسات العمومية الوطنية المتعلقة بالشباب.